محمد عزة دروزة

259

التفسير الحديث

هو الذي خلق السماوات والأرض كما جاء في الآية [ 25 ] وهم يعترفون بأن اللَّه هو الذي خلقهم كما جاء في آية سورة الزخرف هذه : ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ‹ 87 › فمن المناقضة أن يعترفوا بقدرة اللَّه بدءا وينكروها إعادة ، ومن الغباء أن يظنوا أن هناك تحديدا لقدرة اللَّه وفرقا بالنسبة إليها بين خلق فرد وبين خلق جميع الناس وبعثهم ، وفي ما هو ماثل أمامهم من عظمة كون اللَّه الذي يعترفون بخلقه إياه وبآياته ونواميسه الباهرة فيه برهان لا يدحض على ذلك . وجملة * ( أَلَمْ تَرَ ) * التي تبدأ بها الآية الثالثة قد تلهم أن سامعي القرآن يعرفون ويفهمون مدى ما احتوته الآيات من نواميس كونية ربانية ، وبذلك يستحكم في المشركين منهم التنديد القرآني بقوة أشد ، واللَّه تعالى أعلم . وفي القرآن آيات فيها جملة أَولَمْ يَعْلَمُوا في مقام ( أولم يروا ) كما هو الأمر في الآية [ 37 ] من سورة الروم والآية [ 52 ] في سورة الزمر . ولقد روى المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات [ 27 و 28 و 29 ] مدنيات . ولقد روى الطبري عن ابن عباس : « أن أحبار يهود قالوا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالمدينة يا محمد أرأيت قوله وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء : [ 85 ] . إيانا تريد أم قومك فقال : كلاكما . فقالوا ألست تتلو فيما جاءك إنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء ؟ فقال : إنها في علم اللَّه قليل وعندكم من ذلك ما يكفيكم فأنزل اللَّه فيما سألوه عنه من ذلك * ( ولَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ . . . ) * إلخ [ 27 ] ونحن نتوقف في هذه الرواية وفي رواية مدنية الآيات بالتبعية لأنها منسجمة مع ما قبلها وبعدها انسجاما وثيقا سبكا ومعنى وتوجيها وموضوعا على ما يبدو عند إنعام النظر . ولا تفهم أي حكمة لوضعها لو كانت مدنية في هذا السياق . وقد روى بعض المفسرين ( 1 ) أن بعض المشركين سألوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم ذلك

--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير البغوي .